أثر نوع العقد في ثبوت الشفعة في القانون المدني اليمني

الباحث/ صلاح عبدالقوي العباسي ،، طالب في المعهد العالي للقضاء – عدن

تقوم الشفعة في القانون المدني اليمني على فكرة استرداد العين المبيعة من المشتري دفعًا للضرر الذي قد يلحق بالشفيع، إلا أن المشرع لم يجعل مجرد وجود البيع كافيًا، بل اشترط توافر شروط محددة نص عليها في المادة (1260) من القانون المدني.

ومن أهم هذه الشروط أن تكون الشفعة في عقد صحيح، وألا يكون العقد باطلًا، وأن يزول ملك المتعاقد بالعقد، فنصت المادة (1260/2) على اشتراط أن تكون الشفعة في عقد صحيح، ثم أكدت الفقرة (3) من نفس المادة سالفة الذكر هذا المعنى بقولها: “أن يزول ملك المتعاقد بالعقد فلا شفعة في عقد بخيار إلا بعد نفوذ العقد.” كما قررت المادة (1261) أن الشفعة تثبت بالعقد الصحيح.

ويستفاد من هذه النصوص أن المشرع لم يكتفِ بصحة العقد، وإنما اشترط أيضًا أن يكون العقد قد أصبح نافذًا ومنتجًا لأثره في نقل الملكية.

وبالرجوع إلى الأحكام العامة للعقود في القانون المدني، فقد عرفت المادة (142) العقد النافذ بأنه: العقد الذي لا يتوقف نفاذه على إذن الغير أو إجازته، فتترتب آثاره بمجرد انعقاده، بينما عرفت المادة (143) العقد الموقوف بأنه: العقد الذي يتوقف أثره على تحقق شرط أو حلول أجل أو صدور إجازة ممن يملكها، فلا تترتب آثاره قبل ذلك.

وبناءً على ذلك، فإن العقد الموقوف لا تثبت به الشفعة؛ لأنه غير نافذ، ولم تترتب عليه آثار نقل الملكية، وهو ما ينسجم مع النص الصريح في الفقرة الثالثة من المادة (1260) والتي قررت أنه: لا شفعة في عقد بخيار إلا بعد نفوذ العقد. كما تؤكد بعض الشروح القانونية أن المقصود بزوال الملك هو أن يكون العقد نافذًا، فإن كان موقوفًا أو معلقًا على خيار فلا تثبت الشفعة إلا بعد نفاذه.

أما العقد القابل للإبطال، فإن القانون المدني اليمني لم ينص عليه ضمن تقسيم العقود إلى نافذة وموقوفة، كما لم يرد في باب الشفعة نص خاص يبين حكمه.

ولذلك اتجه غالبية الشراح إلى اعتباره عقدًا صحيحًا نافذًا ومنتجًا لآثاره إلى أن يصدر حكم بإبطاله، ومن ثم أجازوا ثبوت الشفعة فيه ما دام لم يقض بالإبطال.

غير أن هذه النتيجة ليست محل إتفاق كامل؛ إذ يثور إشكال قانوني مهم يتمثل في أثر الحكم بإبطال العقد  الأصلي بعد ثبوت الشفعة أو بعد الحكم بها؟ وهو إشكال لم يعالجه القانون المدني اليمني بنص صريح.

لذلك: إذا تم الأخذ بالشفعة وانتقلت الملكية إلى الشفيع، ثم قضي بعد ذلك بإبطال عقد البيع، فإن الأثر القانوني للإبطال يرد على العقد الأصلي بأثر رجعي، بما يعني زواله من أساسه.

غير أن هذا الإبطال لا يمتد أثره تلقائيًا إلى حق الشفيع الذي استقر بموجب حكم قضائي أو تسليم قانوني صحيح، لأن: الشفعة في القانون اليمني ليست حلولًا محل المشتري بل هي شراء مبتدأ وفق نص المادة (1290). وانتقال الملكية إلى الشفيع يتم بناءً على سبب مستقل هو حكم الشفعة أو التسليم، ومتى استقرت الملكية للشفيع، فإنها لا تزول إلا بسبب قانوني مستقل يتعلق بها، وليس بزوال عقد المشتري وحده.

وهو ما يعني أنه إذا أُبطل البيع قبل الحكم بالشفعة أو قبل تمامها يسقط محل الشفعة لزوال السبب.

وإذا أُبطل البيع بعد استقرار الشفعة وانتقال الملكية للشفيع، لا يؤثر الإبطال على ملكية الشفيع، لأن حقه نشأ من سبب مستقل واستقر بحكم أو تسليم.

وبعبارة أخرى:

إبطال عقد البيع لاحقًا لا يمتد أثره إلى الملكية التي استقرت للشفيع متى تم الأخذ بالشفعة صحيحًا، لأن الشفعة في القانون اليمني تُعد شراءً مبتدأً مستقلاً عن عقد البائع والمشتري الأصلي، فتقوم على سبب قانوني منفصل، ولا تتبع مصير العقد الأصلي بعد استقرارها.

ويلاحظ أن المشرع اليمني أفرد حكمًا خاصًا للفسخ، فنص في المادة (1267) على أن الشفعة لا تبطل بالفسخ لعيب أو لغيره بعد الطلب في وجه المشتري، وهو حكم استثنائي يهدف إلى منع التحايل على إسقاط حق الشفيع بعد تعلق حقه بالبيع. إلا أن هذا النص يتعلق بالفسخ، ولا يمتد بذاته إلى الإبطال؛ لأن الفسخ والإبطال نظامان قانونيان مختلفان، ولا يجوز القياس بينهما بغير نص أو مبدأ قضائي مستقر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى